محمد بن علي الشوكاني

2137

الفتح الرباني من فتاوى الإمام الشوكاني

بوجوب طلبهما على كل فرد العباد بهذه التخيلات الفاسدة ! . قوله : وجدت الأمر يدور أخره إلى أوله إلخ . أفول : قد عرفنا فساد هذه الدعوى غيرة مرة ، وأن السائل عن مدلول الكتاب والسنة ليس بمقلد . قوله : أعني في مسألة اجتناب التقليد ، فلم أجد ما يشفى الغليل إلخ . أقول : لو تأملت - غفر الله لك - أحوال الصحابة والتابعين وتابعيهم لشفيت بذلك غليلك ، وبيان ذلك أن هذه الثلاث الطبقات التي خير هذهه الأمة المرحومة قد اشتملت على العالم والعامي ، فكان صنع العالم فيها الاجتهاد ، وصنع العامي السؤال عن الكتاب والسنة ، واستفسار الأئمة ، والعمل بما بلغ إليه ، وليس هذا من التقليد في شيء ، لما تقرر في الأصول من أن التقليد قبول قول الغير من دون حجته ( 1 ) هؤلاء لم يقبلوا قول الغير بل قبلوا حجته بواسطة روايته ، وقبول الرواية ليس بتقليد ، فهؤلاء الأعلام الذين نسبتهم إلى التضييق على الناس بسبب منعهم التقليد لم يطلبوا من العوام إلا التشبه بعوام الصحابة ، فمن بعدهم ، واطراح التقليد المبتدع ، وإذا كان الأمر الذي ندبوا الناس إليه هو الهدى الذي درج عليه خير القرون ، فأي وصمة - لله درك - عليهم في هذا ! وهاك طريقة ينزاح عنك بها الإشكال . سنوردها عليك على طريق السؤال فنقول : عوام الصحابة والتابعين لا يخرجون عن الأتصاف بأحد ثلاثة أشياء ، أما التقليد ، أو الاجتهاد ، أو الواسطة ، فالأول باطل لما بيناه من أنهم لم يقبلوا القول بل قبلوا حجته ، ولهذا لم ينسب أحد منهم إلى أحد من أولئك الأعلام ، كما نسب هؤلاء المقلدة إلى أئمتهم ، بل اكتفوا بالانتساب إلى مطلق الشريعة ، ونعمت النسبة ، ولم يسمع عن أحد منهم أنه انتسب في مذهبه مثلا إلى ابن عباس ، قبيل له عباسي كما يقال شافعي مثلًا .

--> ( 1 ) أنظر الرسالة الآتية برقم ( 60 ) ، وعنوانها ( القول المفيد في حكم التقليد ) من القسم الرابع - الفقه .